السلام عليكم ..
تربطني بالنساء الكبيرات بالسن علاقة غريبة ، فأنا أحب احاديثهن ، والجلوس معهن ، وأكلاتهن التي يحبينها ، كذلك أحب أن أتكلم بلهجتهن ..
من أقرب هؤلاء النساء الى قلبي “جدتيّ “وأقصد بذلك اثنتيهما ,, جدتي لأمي .. وجدتي لأبي ..
أمتلك حصيلة لغوية “جنوبية” فريدة من نوعها ، بسبب الجلوس معهن ..ممايسبب الاستغراب من البعض .. “ياي ..ليش تتكلمين كذا؟ زي العجايز ” .. وأحيانا أنادي جدتي لأمي بأسمها بلا تكلف..فهي “رحمة” ..
أراها تقريبا كل اسبوع أو اسبوعين ، وعندما أراها ، أحدثها بلهجتها / لهجتنا ، ونجلس نتحدث عن قريتنا الصغيرة .. وعن المطر الذي لم يأتها منذ فترة ، وعن “الغبري”* ..وشح الماء .. وزحمة “الوايتات”واشياء اخرى، كما نتحدث عن ابناء جماعتنا المنتشرون في كل أنحاء المملكة ،
تبادرني جدتي .. تصيّرين** فلانه بنت فلان ,,الي بالرياض؟
انا: ايه ..
جدتي: زوجها تزوج عليها ..
انا : اوووه
جدتي : شفتي كيف الحظ يابنتي .. “ماهو بخد برّاق .. ولكن حظوظ وأرزاق” ***
انا : ايه .. حتى اختها .. الي متزوجه ولد “فلان”
وندخل في الأنساب ,, والقرابات ..وآل فلان .. وبلاد آل فلان ..
جدتي : والله إنك أحسن من أمك يابنتي .. تعرفين “اتهرّج”**** عن مين ..
جدتي لأمي .. شامخة قوية..ولازالت محتفظه ببقايا جمالها ، رغم أنها تجاوزت السبعين ..يقولون لي أنني “رحمه” مصغرّه في الطباع وليس الشكل.. فأنا اخذت الكثير من أطباعها الإنتقادية ، والحادة ..
اما جدتي لأبي ..أراها سنويا ، “في المنتجع” ،وفي بعض الزيارات الخاطفة لها هنا ، أو للرياض حيث تتابع مواعيدها في التخصصي ..
جدتي فقدت زوجها ، وحفيدها وأخاها ، وابنتها وابنيها ، لكنها لازالت محافظة على تماسكها وقوتها ..تمتلك قوة إيمان وصبر ..عجيبتين ..!!
جدتي الأمية التي لم “تسرح”***** للمدرسة كما تقول دائما ،لكنها تمتلك من الذوق والرقي والتعامل ، مالا تمتلكه بعض صاحبات الشهادات العليا ،
بحكم جلوسها معانا لفترة تزيد عن الشهر ، فهي دائما تراقب مواقفنا مع والدينا بصمت ، ثم تدافع عنا أمامهم ، وعندما يذهبان ، تقول لنا على انفراد ، “والله إنك مخطيه يابنتي” .. وتعلمنا أخطائنا ، بدون أن تحرجنا ، أو تأجج المشكلة ..
جدتي التي تطل علي وأنا ساهره”اطقطق”على لابتوبي .. وتقول لي “الله يعطيك العافيه يابنتي ..روحي ارقدي استريحي..الشغل مايخلص” ظنا مني أنني أعمل ,,بينما في الحقيقة أكون أدردش مع ايمان ..
جدتي .. ستسافر غدا ,,لتكمل رحلة علاجها
..
سأفتقد “الخبزة” و”العيش” التي نصنعها يوميا لأجلها ,,سأفتقد القهوة -كما تحبها- متخمه بالـ”عويدي” والـ “نانخه“.******.فهي لا تحبها كما نحبها نحن .. مليئة بالهيل والزعفران .. “يتعبني الهيل يابنتي في قهوتكم الصفراء ”
سأفتقد وجودها ..و رائحة حنائها.. وعبق الريحان في مكانها ..
ودعوتها لي دائما: “الله يعلي حظك يابنتي “
———–
هوامش :
*الغبري : الغبار أو العج ..
**تصيرين : بمعنى تتذكرين؟
***المثل يعني ، أن الجمال ليس له دور في الحظ والنصيب . “عاد فهمتوها”
****اتهرّج : اسولف أو اتحدث .
*****تَسْرح : تذهب في الصباح
****** العويدي : هو مايسمى بالمسمار أو القرنفل
أما النانخه : تسمى في بعض المناطق “نخوه” وهي توضع مع القهوة ..مفيدة لآلام البطن جدا ..